ابن عربي
74
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
إن الذات لا تقبل الصفات السبعة المدلول عليها عند النظار من حيث الزيادة لكن من حيث النسبة ، والشام موضع الكون ، والثريا هي الظاهرة في الشام ، كذلك الصفات من الحق هي الظاهرة في الخلق وعليها تقوم الدلالات والذات لا دخول لها في الخلق كما لا يدخل سهيل في الشام ، فإن قيل فما يصنع بقوله تعالى : « كنت سمعه وبصره » ، فقد دخل ، قلنا : نعم ما قال : كنت ذاته وإنما ذكر الصفة فيقول : بسمعي يسمع وببصري يبصر ، كما قال الشارع في الرفع من الركوع ، إنّ اللّه قال على لسان عبده : « سمع اللّه لمن حمده » « 1 » ويكفي هذه الإشارة لأصحابنا بل للمنصفين من النظار . [ مقام التقديس ] وقال رضي اللّه عنه : أيا روضة الوادي أجب ربّة الحما * وذات الثنايا الغرّ يا روضة الوادي وظلّل عليها من ظلالك ساعة * قليلا إلى أن يستقرّ بها النادي الوادي : هو الوادي المقدس يريد مقام التقديس ، وكنّى بالروضة عن الشجرة التي ظهر النور فيها للمكلم موسى عليه السلام ، وربة الحمى : حقيقة موسى عليه السلام ، فهي إشارة للعارف إلى مرتبة موسوية ورثها منه ، والحمى : يريد مقام العزة التي تمنع ذاته من الوصول إليها ، وقوله : وذات الثنايا الغر : إشارة إلى إشراق المباسم واختصها بالذكر لأنه في مقام المناجاة ، والكلام محله الفم وهي صافية من الأقذاء « 2 » والقلوح « 3 » يريد مقام الصفاء والطهارة ، وقوله : أجب فإنّ الحقيقة الموسوية كانت طالبة نارا فلذا قيل : أجب ، ثم خاطب الروضة في البيت الثاني ، فقال : وظلّل عليها من ظلالك ساعة * قليلا إلى أن يستقرّ بها النادي يقول : لهذه الروضة هذه ربة الحمى ظلل عليها من أفنان أغصان معارفك قدما يظل ما هو من جانبها أي أنه يخاطب من خارج بحكم الجهة إلى أن يقع الأنس بذلك ويتهيأ المحل للقبول ، فيقوم له النداء والخطاب من ذاته من غير نظر إلى الأعيان من خارج ، واستقرار النادي بها ثبوتها في الطمأنينة بذلك وقد بين ما ذكرناه في باقي القصيدة ، فقال : [ مقام الطمأنينة ] وتنصب بالأجواز منك خيامها * فما شئت من طلّ غذاء لمنآد وما شئت من وبل ، وما شئت من ندى * سحاب على باناتها رائح غاد وما شئت من ظلّ ظليل ، ومن جنى * شهيّ لدى الجاني يميس بميّاد
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) الأقذاء : ( ج ) القذى : ما يتكون في العين من رمص وغمص وغيرهما . أو ما يقع في العين وفي الشراب من تبنة وغيرها . ( 3 ) القلوح : ( ج ) القلح : صفرة أو خضرة تعلو الأسنان .